حروب العملات هي حروب دمار شامل

اذهب الى الأسفل

حروب العملات هي حروب دمار شامل

مُساهمة من طرف محمد حسن في السبت نوفمبر 10, 2018 4:55 pm

د. عبد الحي زلوم


حروب العملات هي حروب دمار شامل

August 20, 2018


في ندوة لقناة الجزيرة عن الربيع العربي كان الكثير من زعماء الدول والاحزاب المعنية متواجدين في الندوة مع نخبة مختارة من رجالات الفكر العربي وذلك بتاريخ 16-3-2013 . كان هناك عدد من المتكلمين وكان يتم نقل الكلمات عبر (الجزيرة مباشر) وكنت أحد المتكلمين . كان يجلس بجانبي رئيس وزراء البوسنة بعد استقلالها من يوغسلافيا الدكتور حارس سيلوجوليك Haris Silojolzic.



تبادلنا الحديث وابدى اعجابه باردوغان وتجربته. فقلت اني انا ايضا معجب بانجازاته الاقتصادية ولكنها ستكون رهينة للمستثمرين ومضاربي العملات كما حدث للمكسيك وجنوب شرق آسيا. وهؤلاء المضاربون لايزيدون عن اصابع عدد اليد وينسقون مع وزارة الخزانة الامريكية.




1- متى بدأت المضاربات وكيف؟



اثناء الاجتماعات المسماة (دراسات السلم والحرب) فائقة السرية اثناء الحرب العالمية الثانية بين الحكومة الامريكية واصحاب رؤس المال العالميين في وول ستريت وبعض الاكاديمين برئاسة آيسايا بومان الذي كان رئيساً لجامعة جونز هوبكنز آنذاك كان من اهم القرارات هو أن الولايات المتحدة ستكون وريثة الامبراطورية البريطانية، وتم اعتماد العولمة كخيار الامبراطورية الجديدة وهي الاستعمار باسم اخر وادوات جديدة، جاء في احدى القرارات أن من متطلبات امبراطورية العصر ان تكون عملتها عملة الاحتياط العالمية. لذلك تم اعتماد الدولار بدل الاسترليني كعملة الاحتياط، وتم التوصية بإنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والامم المتحدة ومنظمة التجارة الحرة التي لم يوافق عليها الكونغرس آنذاك واستبدلت بمنظمة جات (Gatt). تمّ اشهار تلك المؤسسات في بريتن وودز سنة 1944.



كي يصبح الدولار عملة الاحتياط العالمية تم الاتفاق ايضاً في بريتن وودز على نظام سعر الصرف الثابت للعملات ، بمعنى أن يتم تثبيت سعر العملات الوطنية مقابل الدولار بسعر ثابت، ووضِعت القيود بعدم السماح للولايات المتحدة الا طبع مقدار ما لديها من ذهب. وتعهدت بان تدفع لمن يأتي لها بالدولارات بمبادلة اونصة ذهب مقابل 35 دولار.



لاحظ الاوروبيون وخصوصا ديغول أن الدولارات المتداولة هي اكثر من كميات الذهب للولايات المتحدة اي انها كانت تطبع دولارات ورقية بدون غطاء ذهب فطالبوا بأن تقدم لهم كشفاً بما لديها من الذهب فرفضت، فكان ان تم ازاحة ديغول من السلطة، الا أنهم لم يستطيعوا الاستمرار في لعبتهم ففي 15/8/1971 صرح الرئيس نيكسون بان الولايات المتحدة الغت تعهدها بصرف الدولار بالسعر الثابت فقفز سعر الذهب الى اكثر من 10 اضعاف خلال شهور، في برنامج لي على قناة الجزيرة بينت ان تلك كانت اكبر سرقة في التاريخ واعطيت مثالا لو كنت ادخر 350 دولار فكانت قيمتها عشر اونصات ذهب . أما حين وصل سعر الذهب الى 350 دولار للاونصة اصبحت مدخراتي تساوي اونصة واحدة. فمن الذي سرق مني 9 اونصات من الذهب أو 90 % من مدخراتي؟



كان من الواضح انه لن يكون هناك طلب على الدولار ما دام بدون غطاء، بواسطة شاه ايران طلبت الولايات المتحدة بأن يكون شراء البترول بالدولار فقط ورافق ذلك زيادة الاسعار 4 مرات لاسباب ذكرتها في مقال سابق، وهكذا اصبح العالم مضطراً لشراء الدولارات بدون تغطية لدفع اثمان البترول و بذلك اصبح البترول هو الغطاء الحقيقي للدولار،عندما سال وزير النفط السعودي احمد زكي اليماني شاه ايران لماذا زيادة الاسعار والشراء بالدولار فقط اجابه الشاه بعنجهيته المعروفة: “اطلب من مليكك ان يسأل هنري كسينجر”.



منذ ذلك التاريخ اصبحت العملات وكذلك اسعار النفط تتذبذب صعوداً وهبوطاً بقرارات افتراضية من الولايات المتحدة حسب مصلحتها الاقتصادية والسياسية بواسطة بضع شركات في نيويورك واصبحت العملات بل والنفط ادوات يتم استعمالها صعوداً وهبوطاً من مجموعة لا تتجاوز اصابع اليدين واصبح الاقتصاد العالمي رهينة في كازينو يملكه بنوك وول ستريت في حالات الصعود والهبوط. ونشأ منذ ذلك الحين نظام مالي امتصاصي طفيلي مضارب يتطفل على الاقتصاد الحقيقي المنتج وزادت ارباح السوق المالي واصحابه بطريقة خرافية منذ ذلك التاريخ. وعلى سبيل المثال بدأ شارع المال وول ستريت بالمضاربة على العملات و السلع وخلقوا ادوات مالية جديدة كما في (المراجحة) وهي المتاجرة بالعملات أو البضائع عن طريق شرائها في بلد وبيعها في بلد اخر عن طريق الكمبيوتر، ولقد اشترت احدى شركات المال في وول ستريت سوبر كمبيوتر بما يزيد عن 25 مليون دولار وذلك لتكون سرعتها اعلى بنصف ثانية من الكمبيوترات الاخرى . كذلك اخترع وول ستريت ما اسماه ب junk bonds وهي كاسمها ادوات غير مأمونة كان يتم استعمالها بشراء شركات حقيقية مما تسبب في انهيار سوق الاسهم 1987، وبعد الغاء استعمال تلك الاسهم تم اعادتها باسماء اخرى مثل المشتقات (derivatives) التي كانت سبباً رئيسياً في انهيار سنة 2008، سواءً في انهيار 1987 أو 2008 قامت الحكومة الامريكية بتعويض ومساعدة وانقاذ بيوت المال في وول ستريت التي تسببت في تلك الازمات، اما الضحايا فكانت مئات الاف من الامريكين الذين فقدوا منازلهم واخرجوا منها بالقوة وارجاعها الى نفس البنوك التي سببت نكبتهم.



اصبح باستطاعت بما لا يزيد عن 10 اشخاص يجلسون في قبو في احدى عمارات نيويورك ويقررون بالتواطئ مع الخزانة الامريكية امكانية الهجوم على اقتصادات الدول الاخرى اما لاسباب اقتصادية امتصاصية او لاسباب سياسية.



2- الهجوم على المكسيك كمثال:



ظل مستوى المعيشة بالنسبة للمكسيكيين في تراجع من سنة 1982 في ظل تطبيق سياسات واصلاحات السوق الحرة تلك حسب شروط صندوق النقد الدولي. اما وقد تم الامتثال لكافة الاشتراطات التي وضعها الصندوق انطلقت ابواق الاعلام التي يوجهها الممولون تشيد بالمكسيك وانجازاتها على الصعيد الاقتصادي، وأعلنت المكسيك كمثال صالح يحتذى به.



ولما كانت معدلات الفائدة في الولايات المتحدة متدنية وفي المكسيك مرتفعة، فقد كان في ذلك فرصة لمدراء صناديق الاموال الامريكيين للقيام بأعمال المراجحة حيث يقترضون الاموال في الولايات المتحدة ويستثمرونها في المكسيك. وهكذا بدأ تدفق الاموال الى المكسيك وأوجد الممولون الامريكيون ومدراء صناديق الاستثمار الفقاعة الكبرى، وكان من ثمار هذا الهجوم على السوق المكسيكية ان تضاعفت اسعار الاسهم هناك اربع مرات في غضون 2-3 سنوات وقد سيطر مستثمرو الأوفشور على حوالي 50 % من سوق الاوراق المالية المكسيكية وحوالي 25 % من الدين الحكومي قصير الاجل قبل ان يقرروا ان يخرجوا من المكسيك بأموالهم ويدمروا اقتصادها تاركين إياه كجثة هامدة، لقد نفخ الممولون الدوليون الفقاعة حتى تضخمت، وها هم يفجرونها لان اسعار الفائدة قد اخذت تنتعش في الولايات المتحدة ولاح بريق فرص استثمارية اكثر اغراء في امكنة اخرى من العالم .



وعندما ارتفعت اسعار الفائدة في الولايات المتحدة بدءاً من مطلع عام 1994 كان لدى المكسيك قدر معقول من الاحتياطيات الاجنبية يبلغ 25 مليار دولار، ولكن الهجرة المستمرة لرؤوس الاموال المضاربة العائدة للممولين الدوليين استنـزفت الاحتياطيات آنفة الذكر ولم تدع لها بحلول نهاية عام 1994 سوى النـزر اليسير فيما خسرت العملة الوطنية المكسيكية حوالي 50 % من قيمتها في غضون اسابيع قليلة، ونتج عن ذلك ذوبان اقتصادي أكل الاخضر واليابس.



وكان الممولون الدوليون هم المستفيدون الفعليون لأية حقيبة انقاذ لانها ستسمح لهم بأن يسحبوا ما تبقى من اموالهم من المكسيك. وكانوا يدفعون برجالاتهم في واشنطن للتوصل الى خطة انقاذ وبسرعة، كما كانوا يخشون من وقوع كارثة عالمية نظراً للنتائج الخطيرة على الاسواق المالية والممولين الدوليين.


فقد تراجعت اسواق امريكا اللاتينية بواقع 38 % في غضون شهرين. وبعد عامين من انضمامها الى اتفاقية النافتا، سجل اقتصاد المكسيك انكماشاً بنسبة 7 % ووصلت التجارة المحلية الى نقطة الجمود وضاعت مليون فرصة عمل بعد أشهر قليلة من الذوبان الاقتصادي الذي كان من ثمـار هجرة الاموال العالمية المضاربة.



وجاء في التقديرات ان الحاجة ماسة لمبلغ 50 مليار دولار تقريباً لوقف الهبوط المريع للبيزو –العملة المكسيكية- واستعادة النظام الاقتصادي.



3- شروط القروض:



ولكن ما هي الشروط التي رافقت حقيبة الانقاذ هذه؟

يجب على المكسيك ان تخضع سياساتها المتعلقة بالعرض النقدي، الانفاق المالي، الاقتراض الاجنبي في المستقبل والائتمان المحلي الى الشروط التي وضعها صندوق النقد الدولي والولايات المتحدة والتي تم املاؤها كجزء من خطة الانقاذ تلك.


يجب على المكسيك ان تبيع افضل ما لديها من موجودات مثل الموانئ، السكك الحديدية، البتروكيماويات، الاتصالات …الخ. ويجب ان تبدأ عملية البيع على الفور بصرف النظر عما اذا كانت الاسعار قد اصبحت في الحضيض ومتدنية للغاية جراء الازمة التي مرت بها البلاد.


ينبغي على المكسيك ان تفتح الابواب لتملك الاجانب في بنوكها والتي لم يكن يسمح للاجانب بالتملك بها.




على المكسيك ان تودع كافة ايراداتها النفطية لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، حققت الولايات المتحدة بوسائل الاموال المضاربة ما عجزت عن تحقيقه باستعمال الوسائل الدبلوماسية او القوة الغاشمة، وكانت الشركات النفطية الاميركية في المكسيك قد أُممت في العام 1939 وأصبحت شركة النفط المكسيكية بيمكس PEMEX المالكة والقائمة على ادارة صناعة النفط والغاز منذ ذلك الحين .



4- النتائج الكارثية:



اما النتائج التي تلت توقيع هذه الاتفاقية عام 1995 فكانت:-

تقلص الاقتصاد المكسيكي بواقع 7 %.


زيدت ضريبة القيمة المضافة (VAT) الى 15 %.


تم تخفيض الدخل الحقيقي بواقع 33 % فيما قفز التضخم لتلك السنة الى 40 % بينما حدد سقف الزيادات بواقع 7 % كحد اقصى.


ارتفعت اسعار الفائدة في غضون عدة اشهر من 15 % إلى 130 %.


أصبحت نسبة 30 % تقريباً من كافة القروض في البلاد متعثرة .


آل الى الانهيار ثمانية من أصل اضخم ثمانية عشر مصرفاً رئيسياً في البلاد واصبحت الحاجة ماسة لانقاذ الباقي على يد الحكومة.


اعلنت بعض الشركات الكبرى افلاسها وبلغ مجموع الشركات التي انهارت ما يزيد عن 8000 شركة.


سجلت اسعار الوقود زيادة بنسبة 48.5%.


زيدت اسعار الطاقة الكهربائية بنسبة 32 %.


اصبحت الدولة التي كانت مكونة من صغار المزارعين وكانت من بين الدول التي تصدر المواد الغذائية عندما كان المزارعون يتلقون الدعم الحكومي، اصبحت الان دولة مستوردة للغذاء معتمدة عليه من الولايات المتحدة.


أقدمت عائلة احد المزارعين الذي توفي عندما استولى البنك على ارضه جراء اخفاقه في تسديد القرض، على احضار جثته الى البنك احتجاجاً، قائلة انه يمكنهم اخذ جثته تسديداً للدين.


سجلت الجريمة تصاعداً كبيراً في معدلاتها


وجد بنك بنكومر Bancomer انه بحاجة الى موقف سيارات يتسع لحوالي 75 ألف سيارة مرهونة لو استولى البنك على السيارات التي توقف اصحابها عن دفع اقساطها.


وتم دفع 10 % من اجمالي الناتج القومي للمكسيك كفوائد على الديون.



إن بداية التحرر الوطني للدول يبدأ بخروجها من هيمنة الدولار والنظام المالي العالمي الذي يتطفل على الاقتصاد المنتج.



مستشار ومؤلف وباحث
avatar
محمد حسن
Admin

المساهمات : 1344
تاريخ التسجيل : 15/11/2016
العمر : 25
الموقع : http://accounting.koom.ma

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://pata.yoo7.com

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى